جلال الدين السيوطي
217
الإتقان في علوم القرآن
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام « 1 » : المناسبة علم حسن ، لكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متّحد مرتبط أوله بآخره ؛ فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط ، ومن ربط ذلك فهو متكلّف بما لا يقدر عليه إلّا بربط ركيك ، يصان عن مثله حسن الحديث فضلا عن أحسنه ؛ فإن القرآن نزل في نيّف وعشرين سنة ، في أحكام مختلفة ، شرعت لأسباب مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض . وقال الشيخ وليّ الدين الملويّ : قد وهم من قال : لا يطلب للآي الكريمة مناسبة ، لأنها على حسب الوقائع المفرّقة . وفصل الخطاب : أنها على حسب الوقائع تنزيلا ، وعلى حسب الحكمة ترتيبا وتأصيلا ، فالمصحف على وفق ما في اللوح المحفوظ ، مرتّبة سوره كلّها وآياتها بالتوقيف ، كما أنزل جملة إلى بيت العزّة ؛ ومن المعجز البيّن أسلوبه ونظمه الباهر ، والّذي ينبغي في كلّ آية : أن يبحث أوّل كلّ شيء عن كونها مكمّلة لما قبلها أو مستقلة ؛ ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ؟ ففي ذلك علم جمّ ، وهكذا في السّور ، يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له . انتهى . وقال الإمام الرازيّ في سورة البقرة : ومن تأمّل في لطائف نظم هذه السورة ، وفي بدائع ترتيبها ، علم أنّ القرآن كما أنّه معجز بحسب فصاحة ألفاظه ، وشرف معانيه ، فهو - أيضا - بسبب ترتيبه ونظم آياته ، ولعلّ الذين قالوا : إنه معجز بسبب أسلوبه أرادوا ذلك ، إلّا أن رأيت جمهور المفسّرين معرضين عن هذه اللطائف ، غير منتبهين لهذه الأسرار ، وليس الأمر في هذا الباب كما قيل : والنّجم تستصغر الأبصار صورته * والذّنب للطّرف لا للنّجم في الصغر
--> ( 1 ) نقله في البرهان 1 / 37 .